الحكيم الترمذي

123

كيفية السلوك إلى رب العالمين

أزهرا كما وصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « قلب المؤمن أجرد أزهر » « 1 » . إنما صار أجرد حين تجرد وتخلى من شهوات النفس الأمّارة بالسوء ، وإنما صار أزهر لمّا أشرق إيمانه حين خرج من سحائب الشهوات ومناها بمنزلة شمس خرجت من كسوفها . فالإيمان شمس القلب ، وكسوفه إذا غشية دخان الشهوات وفورانها . وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن للّه - تعالى - أواني في الأرض ألا وهي القلوب ، فخيرها أصفاها وأرأفها وأصلبها : فأصفاها من كدورة الأخلاق ، وأرقها للمؤمنين ، وأصلبها في ذات - اللّه - تعالى » « 2 » . ولهذا شرح طويل قد ذكرناه في كتاب « صفة القلوب ومنازلها » . روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنه سئل أي المؤمنين أفضل ؟ فقال : « كل مخموم القلب صدوق اللسان » . قيل : ما مخموم القلب ؟ قال : « النقي التقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد » « 3 » . معناه عندنا : تقي من الإثم والبغي ، نقي من الغلّ والحسد . قال أبو عبد الرحمن - رحمة اللّه عليه - : عدنا إلى ما ذكرناه بدءا . قلنا : وإذا راض نفسه ، وتخلى عن الشهوات خلا صدره ، فإذا كان كذلك شرحه اللّه بنوره وامتلأ صدره من النور ، فبنوره تلاحظ الحكمة في محلها ، فينال بملاحظته منها علل الأمر والنهي ، ويلاحظ المقادير في محلها ؛ فينال منها ملاحظته علل أعمال العمّال . كيف لطف ربنا عزّ وجل في قسمتها بين خلقه ؟ وكيف حسن تدبيره فيها ؟ ويلاحظ أمر الكتاب في محله ، فينال منها بملاحظته علل ما يمحو أو يكتب فيها بمشيئته ، ويلاحظ مجرى القضاء في ملك الجبروت ؛ فتحكم له هذه اللحظات

--> ( 1 ) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، في فضيلة صوم شهر رمضان ، [ 3 / 188 ] . ( 2 ) نفس المرجع السابق . ( 3 ) رواه ابن ماجة في سننه ، باب الورع والتقوى ، حديث رقم ( 4216 ) ورواه الطبراني في مسند الشاميين ، حديث رقم ( 1218 ) [ 2 / 217 ] ورواه غير هما .